الفيض الكاشاني
7
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
وهذا ضعيف لانّ المراد به الجماعة الَّتي اتّفقوا على إمام ، فليس فيه تعرّض للعزلة . واحتجّوا بنهيه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم عن الهجرة فوق ثلاث إذ قال : « من هجر أخاه فوق ثلاث فمات دخل النّار » ( 1 ) وقال : صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم « لا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث والسابق بالصلح يدخل الجنّة » ( 2 ) وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من هجر أخاه سنة فهو كسافك دمه » ( 3 ) . قالوا : والعزلة هجرة بالكلَّيّة ، وهذا ضعيف لأنّ المراد به الغضب على الناس واللَّجاج فيه بقطع الكلام والسلام والمخالطة المعتادة ، فلا يدخل فيه ترك المخالطة أصلا من غير غضب مع أنّ الهجرة فوق ثلاث جائز في موضعين : أحدهما أن يرى فيه استصلاحا للمهجور في الزيارة ، والثاني أن يرى لنفسه سلامة فيه ، والنهي وإن كان عامّا فهو محمول على ما وراء الموضعين المخصوصين بدليل ما روي عن عائشة « أنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم هجرها ذا الحجّة والمحرّم وبعض صفر » [ 1 ] . وروت عائشة أنّ النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال : « لا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيّام إلا أن يكون ممّن لا يؤمن بوائقه » ( 4 ) فهذا صريح في التخصيص وعلى هذا ينزل ما قيل : هجران الأحمق قربة إلى الله تعالى ، فإنّ ذلك يدوم إلى الموت إذ الحماقة لا ينتظر علاجها . احتجّوا بما روي « أنّ رجلا أتى الجبل ليتعبّد فيه فجيء به إلى رسول الله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فقال : لا تفعل أنت ولا أحد منكم ، لصبر أحدكم في بعض مواطن الإسلام خير من عبادة أحدكم أربعين عامّا » ( 5 ) ، والظاهر أنّ هذا إنّما كان لما فيه من ترك
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود ج 2 ص 577 من حديث أبي هريرة . ( 2 ) أخرج صدره البخاري ج 8 ص 24 ومسلم ج 8 ص 10 ، ورواه الطبراني بتمامه من حديث أنس . ( 3 ) أخرجه أبو داود ج 2 ص 577 من حديث أبي خراش السلمي . ( 4 ) أخرجه ابن عدي وقال : غريب المتن والاسناد كما في المغني . ( 5 ) أخرجه الطيالسي في مسنده من حديث عسعس بن سلامة ص 168 . [ 1 ] قال العراقي : انما هجر صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم زينب هذه المدة كما رواه أبو داود من حديث عائشة وسكت عليه فهو عنده صالح .